■ كنت طفلاً في العشرين من العمر، عندما كانت ثقافتي لا تتجاوز قراءة قصص إحسان عبد القدوس ،وقصائد نزار قباني وأغاني عبد الحليم حافظ العاطفية. ولم أكن في ذلك الوقت أحتاج إلى أكثر من هذه الأشياء الثلاثة لكي أظهر أمام بنات الجيران بأنني "ولد مثقف" ولست مثل بقية أولاد الحي الذين كانوا يتباهون بقوة عضلاتهم وافتعال المشاكل والخناقات لكي يلفتوا أنظار البنات.
وقد حاولت في بداية مرحلة الطفولة والمراهقة أن أصبح من الأولاد الأقوياء وأخذت أتمرن على رفع الأثقال فوق سطح البيت أولاُ ثم انضممت إلى أحد النوادي الرياضية وكنت أحلم بأن أصبح بطلاً من أبطال كمال الأجسام، ولكن عضلاتي لم تظهر بما فيه الكفاية آنذاك لكي أسير في الشارع منفوخ الصدر وألفت أنظار جميع بنات الحي ... لذلك وجدت أن الطريقة الوحيد لكي أصبح "الفتى الأول" في الحي هي أن أقرأ قصص إحسان عبد القدوس العاطفية وأن أحفظ قصائد نزار قباني الغزلية، وأن أردد جميع أغنيات عبد الحليم حافظ بصوت مرتفع! وبذلك أصبحت "الولد المثقف" الوحيد تقريباً في ذلك الحي البيروتي العريق الذي عشت فيه كل مراحل طفولتي وشبابي.


